قرار خطير لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية
: يوجب الاقتصار على قراءة القرآن برواية ورش في المساجد ويمنع
غيرها ؟.
مقال منشور في جريدة " العلم " المغربية الصادرة يوم
الأربعاء 24 مارس 1993 ـ عدد 72 ،155 السنة : 47 .
بقلم العلامة عبد العزيز بن الصديق
قرأت في جريدة العلم الغراء ما جاء في نوط سيبريس لوزارة الأوقاف
والشؤون الإسلامية رقم 1 / بتاريخ 11 رجب سنة 1413 الموجه إلى
مؤذني المساجد ،من الأمر القاضي على ما تبقى من حرية العبادة
في المساجد بالمغرب ،وفيه ما نصه بالحرف : " كما يجب منع
قراءة أخرى غير قراءة ورش ،والعمل على سحب المصاحف التي ليست
برواية ورش ،وتزويد النظارة لتعويضها بمصاحف ورش " هذا
ما جاء في نوط سيبريس الموجه إلى مؤذني المساجد المغربية وهو
قرار جائر ،وخطير ،لأنه يخالف ما تقرر عند المسلمين من أن القراءات
العشر كلها متواترة مقطوع بها ،مجمع عليها ،معتمد عليها عند
قراء الأمصار قاطبة يتقرب إلى الله تعالى بتلاوتها ،منذ جمع
عثمان القرآن بالطريقة التي جمعت وجوه القراءات المختلفة ،والأحرف
التي نزل بها القرآن ووجه المصحف إلى العراق ،والشام ،ومصر .
فالعمل عند المسلمين منذ ذلك العهد على أن جميع ما في المصحف
العثماني مقطوع به ،لا نزاع في هذا بين أهل الإسلام ،ولهذا لم
يقع من مسلم في عصر من العصور أن طعن في رواية من الروايات المتواترة
،أو أخذ ببعضها وترك البعض الآخر وهذا أمر لا يحتاج إلى تقرير
،ولكن قرار وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في منع القراءة
بغير ورش يخالف هذا ،ويناقضه تماما ويترتب عليه خلل في العقيدة
من جهة أن العامة والبسطاء ومن ليس أهلا للفهم سيعتقدون أن القراءات
الأخرى غير صحيحة ،فلا يجوز العمل بها ،ولا قراءتها ،وهذا أمر
إن تسرب إلى عقيدة أحد في هذه القراءات ،فسيكون قد أتى منكرا
عظيما وإثمه على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ،والأمر لله
وحده ،ولهذا أرى لزاما عليها أن تبادر إلى إلغاء هذا القرار
الباطل ،وتترك عباد الله تعالى في حرية تامة في التلاوة بالمصحف
الذي يقع في يدهم بأي رواية كان إذ الجميع قرآن منزل من عند
الله تعالى مقطوع به مجمع عليه في مشارق الأرض ومغاربها .منذ
جمع عثمان المصحف ،قال ابن خلدون في مقدمته في الفصل الخامس
منها : القرآن هو كلام الله المنزل على نبيه المكتوب بين دفتي
المصحف. وهو متواتر بين الأمة إلا أن الصحابة رووه عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم على طرق مختلفة في بعض ألفاظه وكيفيات الحروف
في أدائها. وتنوقل ذلك واشتهر إلى أن استقرت منها سبع طرق معينة
تواتر نقلها أيضاً بأدائها واختصت بالانتساب إلى من اشتهر بروايتها
من الجم الغفير . هذا آخر كلام ابن خلدون ،فجميع هذه القراءات
ظهرت ، واستفاضت عن النبي صلى الله عليه وسلم وضبطها عنه الصحابة
، وأثبتها عثمان والجماعة في المصاحف ، وأشار إلى جواز القراءة
بها النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت في حديث ابن كعب في صحيح
مسلم وحديث عمر في صحيحي البخاري ومسلم ، وأخبر النبي صلى الله
عليه وسلم أن هذه القراءات من التهوين ، و التسيير الذي طلبه
لأمته ، فلأجل هذا لا يجوز التحول إلى قراءة من القراءات المتواترة
إلى غيرها رغبة عنها ، كما صنعت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية
في إلزام رواد مساجدها بقراءة ورش وحدها وابن جرير يقول في تفسيره
في شأن هذا الاختيار : إنه كفر ببعض القرآن والكفر بحرف من ذلك
كفر بجميعه . ولا تجد دليلا على سلوك هذا المسلك وهو التزام
القراءة برواية ورش ، أو غيرها ، بل هو محض تحكم بالجهل والهوى
والعياذ بالله ، وفي هذا يقول أبو بكر ابن العربي في شرح الترمذي
/11/61/ بعد الكلام : ويصح أن تبدأ لنافع ، وتختمها لأبي عمرو
بل ذلك سائغ في الآية الواحدة ، وربط النفس إلى قراءة واحدة
تحكم على الأمر بغير دليل من نظر أو تنزيل ، وقد جمع الناس قراءة
النبي صلى الله عليه وسلم فليست على نظام قارئ واحد ، وبهذا
يعلم للمسلم بطلان هذا القرار ، وفساده من جهة الشريعة ، ثم
بعد هذا أقول أن الأستاذ الدكتور الحسن بن أحمد وكاك يرى أن
تعمل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية على كتابة المصحف المغربي
على القواعد الصحيحة عند أئمة القراءات وهي التي كتبت عليها
مصاحف العالم الإسلامي ، فعلى قول الأستاذ وكاك يجيب على الوزارة
أن تسحب المصاحف المغربية من مساجدها وتعويضها بمصاحف أخرى مكتوبة
على حسب القواعد المقررة لتكون القراءة في مصاحف المساجد سالمة
مما يخل بالأداء ، في التلاوة ، ومما قاله الأستاذ وكاك في تقديمه
لرسالة (تقييد وقف القرآن ) للشيخ محمد الهبطي (182) بعد الكلام
: والمصحف المغربي في حاجة أكثر من هذا التعديل حتى يساير غيره
من المصاحف في العالم الإسلامي وحتى تستجب رموزه لمقتضيات الترتيل
الصحيح في الوقف . و الابتداء . ثم قال : ولا يليق بمقام المغاربة
أمام هذا التجديد المفيد أن يظلوا متمسكين بما وضعه الشيخ الهبطي
في القرن العاشر الهجري ، ثم قال بعد هذا : فلا مناص كم إعادة
النظر في المصاحف المغربية . و تحليتها بما يساعد على التلاوة
الصحيحة في هذا العصر . وانظر بقية كلامه فإنه مفيد في الموضوع
،و به يظهر أن وزارة الأوقاف ///// تقم بهذا المنع الذي خرجت
به علينا لغرض صحيح //// على العالم ، وإنما ذلك لأمر آخر الله
أعلم به وذلك لا يجوز في كتاب الله تعالى ـ وقد بادرت بكتابة
هذا التنبيه على هذا القرار الخطير الضار للتحذير ، والتعريف
بما يترتب عليه عند العامة من سوء النظر في القراءات الأخرى
، وربما يصل بهم الحال إلى عدم اعتبار المصاحف التي بغير رواية
ورش من القرآن المنزل ، ولا أرى سلفا في هذا العمل إلا ما فعلته
الكنيسة في ابتداء القرن الثالث لما اختارت الأناجيل الأربعة
وهي إنجيل حتى ومرقص ولوتا ويوحنا ، ورأت في نظرها أن هذه الأربعة
هي الصادقة والصالحة للمسيحيين ، فأمرت شعبها بالاقتصار على
العمل بها وحدها ، ورفض كل ما سواها من الأناجيل التي تزيد على
الثلاثمائة ، ومع طول الزمان وتحكم الكنيسة في الديانة صارت
تلك الأناجيل نسيا منسيا على كثرتها ، وربما كان فيها ما هو
أصح ، وأسلم من التحريف ، ومن هذه الأربعة صار العمل بما في
غير الأربعة المختارة من الهرطقة ، فلهذا وجب التحذير من عمل
وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في منع القراءة بغير مصحف ورش
. خوفا من الوقوع فيما وقع فيه النصارى من اختيار بعض أناجيلهم
، وترك البعض تبعا لهواهم ، فيرى المغاربة مع طول الزمان أن
المصحف الصحيح هو مصحف ورش ، وغيره لا يعتبر ، لأن وزارة الأوقاف
حرمت القراءة بغير ورش ، ومنعت المصاحف بغير قراءة ورش من دخول
مساجدها ونرجو أن تعود إلى رشدها ، وتحكم العقل وتعترف بخطئها
، فتلغي العمل بقرارها والرجوع إلى الحق فضيلة ، والله ولي التوفيق
.