تعقيب على وزير الأوقاف و الشؤون الإسلامية في موضوع المقاربة بين أهل السنة والشيعة

 

بقلم الشيخ عبد العزيز بن الصديق

في كل درس يلقيه الأستاذ عبد الكبير المدغري في شهر رمضان ، يأتنا فيه بمغربات تلفت نظر السامعين من أهل العلم ، فإما أن يغرب في حكم مسألة فقهية يخالف فيها إجماع الفقهاء ، كقوله في درس منذ سنتين إن الزوجة إذا زنت يفسخ نكاحها وقد بينا خطأه في هذا القول عقب درسه ، وإما أن يغرب في نقل حديث موضوع ، وفي هذه السنة أتانا حضرة الأستاذ بمغربة تنطوي على بدعة شنيعة تصدى لها علماء السلف جزاهم الله خيرا ، بالرد والطعن في مبتدعها ، وألفوا في بيان فسادها وشناعتها ، وقبحها التآليف ، لأنها من وضع المبتدعة الزنادقة الذين يريدون إبطال السنة ، وترك الاحتجاج بها بالمرة ، ليتوصلوا بذلك إلى هدم أركان الإسلام ، ومحو شريعته من الأرض تماما , والسيد المدغري لم ينتبه لهذا فذكر في درسه هذه البدعة المنكرة كأنها قاعدة من قواعد العلم المتفق عليها ، وأصل من أصول الإسلام المجمع عليها فلأجل هذا وجب علي من باب النصيحة لدين الله تعالى ، أن أبين في هذه الأسطر على صفحات ( العلم ) الغراء ، خطأ ما ذكره الأستاذ في درسه وأرجوا ألا يغضب ، ولا تأخذه العزة بالإثم .. فإن الرجوع إلى الحق من أفضل ما يتخلق بع العالم ، لاسيما في مثل هذا الموضوع الحساس الذي يتمسك به الملاحدة اليوم في إبطال أغلب أحكام الشريعة السمحة .. قال الأستاذ في كلامه على الفروق بين أهل السنة وبين الشيعة في العمل بالحديث ( إن السنة لا يعملون بالحديث حتى يعرضونه على القرآن فإن وافقه أخذوا به وإلا تركوه ) وهذه القولة التي نسبها إلى أهل السنة تسربت إليه من كتب المبتدعة المتأخرين الذين يريدون أن يجعلوا الحديث النبوي غير مستقل بالتشريع ، وتأسيس الأحكام ، وأن الأخذ بما يحرم ، ويحلل لا يجوز حتى يعرض على القرآن ، وغرضهم بهذا هم ومن قبلهم من المبتدعة الذين اخترعوا هذه الخرافة ، هو إبطال أحكام الإسلام بالمرة . وردها بأصولها وفروعها ولهذا تجرد علماء السلف منذ ظهورها لردها ، وبيان فسادها ، وضلال القائل بها ، وبعده عن الإسلام ، وعقيدة أهل الإيمان ، وممن ألف في بيان ذلك الحافظ السيوطي في جزء سماه ( مفتاح الجنة . في الاحتجاج بالسنة ) وهو مطبوع يمكن للأستاذ أن يقف عليه ليعلم قبح ما أتى به .. ولما علم المبتدع الضالون المارقون عن عقيدة أهل الإيمان أن هذا هذه بدعة التي ابتدعوها لمحاربة الإسلام والقضاء على أصل من أصوله المجمع عليها ، ولا تروج على المسلمين ، ولا يلتفتون إليها لمخالفتها للعقيدة وحكم القرآن ، حاولوا جهل منهم أن يقربوها إلى أذهان الجهلة مثلهم بما يمكن لأن يساعدهم على ترويجها بينهم فلجئوا ـ كما هي عادتهم ـ إلى وضع الأحاديث التي تأمر بعرض الحديث على القرآن كما زعموا في بدعتهم ، فرووا بأسانيد باطلة موضوعة لا أصل لها عن عدد من الصحابة ، منهم علي بن أبي طالب ، وأبي هريرة ، وغيرهما ، أن رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم قال ( سيكون بعدي رواة يروون عني الحديث فأعرضوا حديثهم على القرآن فما وافق القرآن فخذوا وما لم يوافق القرآن فلا تأخذوا به ) .
وقد وضعوا لهذا الحديث الباطل طرقا متعددة عن جماعة من الصحابة بألفاظ مختلفة ، ليوهم الأغرار أن الحديث يكاد يتواتر , ولكن هيهات أن يروج باطلهم على النقاد من أهل الحديث الذين جعلهم الله تعالى حماة يذبون عن حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام تحريف الجاهلين وانتحال المبطلين .
وأول ما سلكه الحفاظ في الرد على الحديث وبيان بطلانه ، ووضعه ، أنه نفسه يعود على نفسه ، بالبطلان ، والفساد ، والوضع ، وأنه لا أصل له ، وأن واضعه بليد غبي لم يتدبر في كذبه وذلك أنه ليس في القرآن نص ولا دلالة على عرض الحديث على القرآن ، فهو باطل بدلالة القرآن على بطلانه لأن الله يقول { وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } ولم يقيد سبحانه هذا الأخذ بشرط العرض على القرآن كما زعم المبتدعة الجهلة ، وقال الآجري في كتاب ( الشريعة ) وهو من أنفس كتب السلف في بيان عقيدة أهل القرآن . والرد على المبتدعة وضلالتهم ص19 ( باب التحذير من طوائف تعارض سنن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكتاب الله تعالي ، وشدة الإنكار على هذه الطبقة ) ثم قال : ينبغي لأهل العلم إذا سمعوا قائلا يقول قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شيء ، قد ثبت عند العلماء فعارض إنسان جاهل فقال لا أقبل إلا ما كان في كتاب الله عز وجل ؛قيل : له أنت رجل سوء ،وأنت ممن حذرناك النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وحذر منك العلماء ، وقل له يا جاهل إن الله عز وجل أنزل فرائضه جملة ، وأمر نبيه عليه الصلاة والسلام أن يبين للناس ما أنزل إليهم قال الله تعالى { وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما أنزل إليهم ولعلهم يتفكرون } .
فأقام الله نبيه مقام البيان عنه وأمر الخلق بطاعته ، ونهاهم عن معصيته ، وأمرهم بالانتهاء عما نهاهم عنه .
وقال تعالى : { وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } ،ثم حذرهم أن يخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال سبحانه : { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } ،وقال تعالى : { فلا وربك لا يومنون حتى يحكموك في ما شجر بينهم ثم لا يجدون في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما }، ثم فرض على الخلق طاعته صلى الله عليه وآله وسلم في نيف وثلاثين موضعا ثم قال الآجري : وقيل لهذا المعارض لسنن الرسول عليه الصلاة والسلام يا جاهل قال الله تعالى : { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } أين تجد في كتاب الله تعالى أن الفجر ركعتين ، وأن الظهر أربع ، وأن العصر أربع ، وأن المغرب ثلاث ، وأن العشاء أربع ، أين تجد أحكام الصلاة ومواقيتها ؟ وما يصلحها وما يبطلها إلا من سنن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ومثلها الزكاة أين تجد في كتاب الله تعالى من مائتي درهم خمسة دراهم ، ومن عشرين دينار نصف دينار ، ومن أربعين شاة ، شاة ومن خمس الإبل شاة ومن جميع أحكام الزكاة أين تجدها في كتاب الله عز وجل ، وكذلك جميع فرائض الله تعالى التي فرضها الله تعالى في كتابه لا يعلم الحكم فيها إلا بسنن الرسول عليه الصلاة والسلام ، ثم قال الآجري : هذا قول علماء المسلمين ،ومن قال غير هذا خرج عن ملة الإسلام ، ودخل في ملة الملحدين نعوذ بالله تعالى من الضلالة بعد الهدى وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن صحابته مثل هذا ، ثم أسند حديث أبي رافع الذي رواه أبو داود والحاكم والبيهقي قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يبلغه الأمر عني فيقول لم أجد هذا في كتاب الله تعالى "، وفي لفظ آخر ( لا أعرفن أحدهم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من امرئ مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا ندري مما وجدنا في كتاب الله تعالى اتبعناه ) وفي حديث المقدام بن معد يكرب قال النبي عليه الصلاة والسلام ( ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا إني أوتيت الكتاب ومثله مرتين ، ألا أنه يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه ، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ) .
وقد أطال الآجري في ذكر الأدلة من الأحاديث المرفوعة ، والآثار الموقوفة الدالة على بطلان قول المبتدعة: إن الحديث يجيب عرضه على القرآن فما وافقه أخذناه وما خالفه تركناه ، وقد غلط الأستاذ المدغري غلطا فاحشا ، وأخطأ خطأ مشينا حيث جعل هذا القول المنكر من قواعد أهل السنة في العمل بالحديث وحاشا أهل السنة ، وحفظهم الله تعالى من مسايرة المبتدعة في رد حديث الرسول عليه الصلاة والسلام بالجهل وبما يخالف عقيدة المؤمنين منذ عهد الرسول صلوات الله عليه إلى أن تقوم الساعة ، وقد عقد حافظ المغرب الإمام أبو عمر بن عبد البر في كتاب ( جامع بيان العلم ) 2/190/ باب خاصا لرد هذه البدعة المنكرة المحدثة في الإسلام ، ذكر فيه الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة ، وأقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم في بطلان ما تدل عليه ، وضلال من يقول بها ويعتمد عليها قال فيه بعد كلام ما نصه : ( وقد أمر الله تعالى بطاعته يعني الرسول عليه الصلاة والسلام واتباعه أمرا مطلقا مجملا لم يقيد بشيء كما أمرنا بإتباع كتاب الله تعالى ، ولم يقل وافق الكتاب الله تعالى كما قال بعض أهل الزيغ قال عبد الرحمن بن مهدي : الزنادقة والخوارج وضعوا ذلك الحديث ، يعني ما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال ( ما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله فإن وافق فأنا قلته وإن خالف كتاب الله فلم أقله ) وهذه الألفاظ لا تصح عنه صلى الله عليه وآله وسلم عند أهل العلم بصحيح النقل من سقيمه .
قال ابن عبد البر : وقد عارض هذا الحديث قوم من أهل العلم ،وقالوا : نحن نعرض هذا الحديث على كتاب الله تعالى قبل كل شيء ، ونعتمد ذلك ، قالوا : فلما عرضناه على كتاب الله وجدناه مخالفا لكتاب الله لأنا لم نجد في كتاب الله تعالى لا يقبل حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا ما وافق كتاب الله تعالى ، بل وجدنا كتاب الله يطلق التأسي به ، والأمر بطاعته ، ويحذر المخالفة عن أمر وجملة على كل حال ثم أطال في ذكر الأدلة عن السلف في شناعة هذا القول ، ومخالفته للكتاب والسنة ، وذكر عن مكحول قال : القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب .. في أقوال أخرى في هذا الموضوع يجب على المسلم الوقوف عليهما ليعلم ، ويتحقق منزلة السنة المحمدية ومقامها في التشريع ، وأنها مفسرة لأحكام القرآن ومبينة لمجمله ، فلا يمكن الاستغناء عنها في معرفة القرآن ، خلافا للمبتدعة الزنادقة فيما اخترعوه ليكيدوا الإسلام وقد ردهم الله تعالى بكيدهم فلم ينالوا إلا الخزي في الدنيا ، والعذاب في الآخرة ...
ومن أرد التوسع في معرفة فساد هذه الضلالة ، وبعدها عن شريعة الله ، فعليه برسالة الإمام الشافعي ، والأحكام لابن حزم ، لاسيما الجزء الأول منه /150/ وجامع بيان العلم لابن عبد البر2/190/ وما بعدها ، وكتاب الشريعة للاجري 1/49 ، والكفاية في علوم الرواية للخطيب البغدادي 8/وما بعدها وليراجع رسالة الحافظ السيوطي ( مفتاح الجنة ، في الاحتجاج بالسنة ) وهي مطبوعة وقد أجاد فيها جدا ، وأتى بما فيه الكفاية في الموضوع ، وقال في مقدمتها ما نصه : إن مما فاح ريحه في هذا الزمان ، وكان دارسا بحمد الله تعالى منذ أزمان وهو أن قائلا رافضيا زنديقا أكثر في كلامه أن السنة النبوية ، والأحاديث المروية زادها الله علوا وشرفا لا يحتج بها ، وأن الحجة في القرآن خاصة ، وأورد على ذلك حديث ( ما جاءكم عني من حديث فاعرضوه على القرآن فإن وجدتم له أصلا فخذوا به وإلا فردوه ) ثم بين فساد هذا القول ، وأنه من وضع الزنادقة ، طائفة من غلاة الرافضة .
وكل هذا يدل ـ كما قلت ـ على أن الأستاذ المدغري قد أغرب ، وخرج عن سبيل أهل السنة الذين نسب إليهم القول بأن الحديث يعرض على القرآن قبل الآخذ به ، وهم براء ومن هذه البدعة المنكرة ، ثم بعد هذا أقول للأستاذ المدغري : لو تدبرت ، وفكرت وأمعنت النظر ، في قواعد المصطلح المتفق عليها بين أهل الحديث ، لوجدت فيها ما يرشدك ، ويعرفك ببطلان هذا الشرط في العمل بالحديث الذي ألصقته بأهل السنة ـ حفظهم الله ـ وذلك أن المقرر في كتاب المصطلح كبيرها وصغيرها قديمها وحديثها ،أن الحديث الصحيح الذي يجب العمل به ولا يجوز رده هو ما رواه الثقة عن الثقة ولم يكن شاذا ، ولا معللا ، وفسروا الشذوذ بمخالفة الثقة لمن هو أوثق منه ، وغالب ما يكون ذلك عندهم في السند ، وقد يكون في المتن أيضا ، ولكن ذلك نادر ، ولم يقل أحد من أهل المصطلح في تعريف الحديث الصحيح و إلا يخالف القرآن ، أو يجب عرضه على القرآن ، هذا ما لا تجده في تعريف الحديث الصحيح عندهم ، ولا يمكن لك الإتيان بخلافه أبدا.
فما قرره علماء المصطلح كاف في رد ما غفل عنه الأستاذ المدغري في درسه الذي بث فيه هذه البدعة الشنيعة التي وضعها الزنادقة ، وأذيعت على الناس ، والأمر لله ، فحبذا لو تدارك الأستاذ الأمر ، وكتب على صفحات الجرائد بيان خطئه فيما نسبه لأهل السنة ، وهم براء منه ، والدين النصيحة ، لاسيما والمسألة تتعلق بقواعد الإيمان ، وأصول الإسلام ، وفقنا الله تعالى لإتباع الحق ، والعمل به ، وبالله تعالى التوفيق .