بقلم العلاّمة السيد عبد العزيز بن الصدّيق
ما دام العدو يحتل أرضنا ويقتل النساء والأطفال، وينهب الأموال،فقتاله والعمل على إخراجه من الوطن ورد ما اغتصبه من المال لا يسمى إرهابا في شرع الله تعالى. ولا اعتداء ولا خروجا عن المشروعية الدولية التي تقول لا يجوز احتلال الأرض بقوة السلاح، وبهذا الحكم صار منهاج الأمم المتحدة منذ تكوينها في رد الأرض المحتلة بالقوة على أصحابها، ولكنها لم تسلك في هذا المنهاج طريق الإنصاف والعدل، فحكمت على البعض بالتزام هذا الحكم، وغضت الطرف بل سمحت للآخر باحتلال الأرض بالقوة، واعترفت له بهذا الحق كما فعلت مع إسرائيل، بل صارت تحكم على من قاوم احتلالها لأرضنا وبلادنا بأنه إرهابي خارج عن القانون، وبهذا يظهر الفرق بين حكم الشريعة الذي لا يفرق في حكمه بالحق والعدل بين أحد من الناس كيفما كان شأنه، كما قال تعالى: ((ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى)) وبين حكم القانون الموضوع على حسب الهوى والغرض وهذا أمر معلوم لكل أحد في شأن الأمم المتحدة ومجلس أمنها، ولكن الذي أريد تسجيله في هذه الكلمة هو أن عقول الناس اليوم ذهبت ولم يبق عندها الميزان الذي وضعه الله تعالى لتمييز الحق من الباطل، ومعرفة للمعروف الذي يجب الأخذ به والمنكر الذي يجب رفضه، وعدم الاعتراف به، وقد ورد في الحديث في بيان أحوال هذا الوقت" أن عقول أهله تعزب والأحلام تذهب حتى يقال للرجل ما أظرفه ما أعقله وليس في قلبه مثقال ذرة من إيمان".
وهذا صار ملموسا من هؤلاء المجانين الذين ذهب عقلهم إلى درجة أنهم صاروا "إمعة" في الفهم، والتفكير واستعمال المنطق، ويكفي هذا الوصف، وهذا السلوك في الدلالة على جنون الإنسان وذهاب عقله، كما ورد في الحديث، لأن الواجب على من له عقل أن يزن الأمور بعقله لا بعقل غيره، ويفهم ما يدور حوله من الأحداث، بما يعطيه تفكيره ونظره المبني على القواعد المسلمة عند العقلاء في وقائع تلك الأحداث، ولا يكون حكمه في ذلك تابعا لما يحكم به غيره، ويوحى به إليه، كأنه من البهائم التي تقاد لمن يقودها ولو إلى المجزرة التي تذبح فيها وتسلخ، وتقطع أطرافها، وهذا شأن هؤلاء الناس الذين صاحوا ورفعوا صوتهم مع العدو وأنصاره ومؤيديه بأن ما يقوم به المناضلون عن أرضهم وأموالهم وأهلهم في أرض فلسطين وغيرها من البلاد المحتلة إرهاب واعتداء على المسالمين الصهاينة في أرضهم وديارهم، يا من يزعم أنه ذو عقل وفهم ولب ومعرفة كيف يكون هذا العمل إرهابا وكيف يكون اعتداءا وصاحبه القائم به الباذل نفسه في الاستشهاد بسببه يناضل ويحارب عدوا يحتل أرضه، ويقتل الأبرياء من أبنائه جماعات وفرادى حتى وهم يؤدون فريضة الصلاة في المسجد الأقصى الذي يجب أن يكون الداخل إليه آمنا من كل اعتداء، قل لي أيها الإنسان الذي تزعم أنك ذو فكر سليم، وعقل حصيف، وفهم رزين في السياسة، من هو الإرهابي في حكم العقل السالم من الآفات والنظر الصحيح ؟ أهو الذي يحتل أرض فلسطين بقوة السلاح والنار، ويخرج شعبها الأعزل من داره، ويقتل أولاده جماعات وزرافات ويشرده ويطرده إلى خارج أرضه ودياره مجردا من كل ما يملك، مسلوبا من كل حق، محروما من كل شيء حتى من فراش نومه؟ أم الإرهابي هو هذا المستضعف الذي يدافع عن أرضه وأهله وماله؟؟.
...لا شك أن العقل السالم الذي يحكم بميزان العدل والحق والذي لا يكون تابعا في نظره إلى غيره يرى أن الإرهابي حقا وصدقا هو الذي اغتصب أرضك ودارك وطردك من بيتك بقوة السلاح والبارود، فيجب على من أصابه هذا الاعتداء وهذا الاغتصاب وهذا الظلم أن يناضل ويقاتل ويبذل نفسه في سبيل إنقاذ وطنه من احتلال المغتصب، وإخراجه من داره التي أخرجه منها، ويسمى بسبب ذلك مناضلا مجاهدا محاربا لعدوه الذي اغتصب أرضه، ويكون شهيدا لأن من قتل دون ماله فهو شهيد، وإن سماه أهل الأرض كلهم إرهابيا معتديا، فالعبرة بحكم العقلاء وأصحاب الضمير الحر النظيف، أما من فقد عقله وماتت روحه رغم كونه يمشي على الأرض فهذا قد انقلبت لديه المفاهيم، وضاعت لديه الحقائق لأنه أعطى عقله لغيره فهو كالحمار يحمل أسفارا نعوذ بالله من حال من هذا وصفه.