بقلم العلاّمة السيد عبد العزيز بن الصدّيق
سأل الكثير عن هؤلاء المخاطرين بأرواحهم في قتال الأعداء كما يقع في فلسطين، بحيث أن الرجل يقتل الجماعة بسلاحه الذي يقتله معهم، ويذهب بأشلائه مع أشلائهم، ما قولكم في هذا العمل، وهل يجوز الإقدام عليه أم لا ؟
وأجبت بأن القتال مبني على المخاطرة والتضحية بالنفس، ولا يخرج الإنسان للميدان إلا وهو واثق بعدم رجوعه، ولهذا يستغل الشيطان هذه النقطة عند المقاتل فيوسوس له بعدم الخروج لنصر دينه، فيثبطه عن القتال، ويوسوس له بالقعود بحجة أنه سيقتل فتنكح زوجته من بعده ويقسم ماله، فقد ورد في الحديث الصحيح أن الشيطان قعد للمسلم بطريق الجهاد، فقال: تجاهد، وهو جهد النفس والمال، فتقاتل، فتقتل فتنكح المرأة ويقسم المال فعصاه، فجاهد، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم فمن فعل ذلك، فمات كان حقا على الله أن يدخله الجنة. فالخروج إلى القتال معناه المخاطرة بالنفس، وبذل الروح في سبيل الله، وذلك مما يصعب على الإنسان ويدعوه إلى الفرار والتولي عن مواجهة العدو، مما يضعف الروح المعنوية للجنود ويفت في عضدهم، لدى كان الفرار عند الزحف من العدو من أكبر المعاصي، فلا اعتراض أبدا مطلقا على من غامر في قتال الأعداء وخاطر بقتالهم بالسلاح الذي سيصيبه معهم كما يقع اليوم. وعلى هذا دلت الأدلة، وعليه كان السلف من الصحابة وغيرهم، ووصل بهم الحال في هذا الموضوع إلى أن بعضهم كان يتحنط استعدادا للموت كما يفعل بالميت. وعقد لهذا البخاري في صحيحه بابا خاصا فقال: ((باب الحنوط عند القتال)) وذكر فيه حديث ثابت بن قيس في يوم اليمامة وقوله لأصحابه لما انهزموا (( ما هكذا كنا نفعل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، بئس ما عددتم أقرانكم)) قال المهلب وغيره كما قال الحافظ في الفتح فيه جواز استهلاك النفس في الجهاد، وترك الأخذ بالرخصة، والتهيئة للموت بالتحنط والتكفين، وفيه قوة ثابت بن قيس وصحة يقينه ونيته، وفيه التداعي إلى الحرب والتحريض عليه، وتوبيخ من يفر، وفيه الإشارة إلى ما كان الصحابة عليه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم من الشجاعة والثبات في الحرب، فهذا يدل على أن المخاطرة في قتال الأعداء والتعرض للموت في سبيل ذلك مشروع وعليه كان عمل الصحابة في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام. ولهذا جوز الأئمة الأربعة كما قال بن تيمية أن ينغمس المسلم في صف الكفار وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه إذا كان ذلك في مصلحة المسلمين، وقال بن حزم في المحلى: وسأل رجل البراء ابن عازب أرأيت لو أن رجلا حمل على الكتيبة وهم ألف، ألقى بيده إلى التهلكة ؟ قال: لا، قال: وأجاز أبو أيوب وأبو موسى أن يحمل الرجل وحده على العسكر الجرار ويثبت، فكل هذا من المخاطرة، والتغرير في مقاتلة الأعداء ولا شك أن ذلك حسن فيه أجر وثواب لمن أطاقه وطابت نفسه به فقد ثبت أن رجلا سأل الرسول عليه الصلاة والسلام((ما يضحك الله من عبده)) قال: غمسه يده في العدو حاسرا.
يعني بدون ما يتقي السلاح من لباس القتال، فنزع الرجل درعه، ودخل العدو حتى قتل، وقال عليه الصلاة والسلام: " من خير معاش الناس رجل يمسك فرسه في سبيل الله يطير على متنه كلما سمع هيعة أو فزعة طار على متنه يبتغي القتل أو الموت مظانة". فقوله عليه السلام مظانة، يدل على أن استعمال السلاح الذي يقتل حامله جائز. وقال سلطان العلماء العز بن عبد السلام في عقيدته التي ذكرها السبكي في ترجمته من الطبقات بعد كلام ما نصه: والمخاطرة بالنفوس مشروعة في إعزاز الدين ولذلك يجوز للبطل من المسلمين أن ينغمس في صفوف المشركين. قال: ومن قال بأن التغرير بالنفوس لا يجوز فقد بعد عن الحق ونأى عن الصواب، وقال فيما كتب به إلى السلطان الأشرف وكل جندي لا يخاطر بنفسه فليس بجندي، وتكلم ابن العربي في أحكامه(1/49) على مسألة اقتحام الجيوش لرجل واحد وقال: اختلف العلماء في ذلك فقال القاسم بن مخيمره، والقاسم بن محمد وعبد الملك من علمائنا لا بأس بأن يحمل الرجل وحده على الجيش العظيم إذا كان فيه قوة. قال: والصحيح عندي جوازه لأن فيه أربعة أوجه؟: (1) طلب الشهادة. (2) وجود النكاية. (3) تجزئة المسلمين عليهم. (4) ضعف نفوسهم ليروا أن هذا صنع واحد منهم فما ظنك بالجميع؟ ! وقال أيضا (ص61) في الكلام على قوله تعالى " ومن الناس من يشري نفسه" في سبب نزولها أقوال منها فمن يقتحم القتال، أرسل عمر جيشا فحاصروا حصنا فتقدم رجل عليه فقاتل فقتل، فقال الناس ألقى بيده إلى التهلكة، فبلغ ذلك عمر فقال: كذبوا أو ليس الله تعالى يقول: " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله".. وحمل هشام بن عامر على الصف حتى شقه فقال أبو هريرة: ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله، ثم قال بعد كلام: وأما اقتحام القتال فمختلف فيه وقد تقدم أن الصحيح جوازه ثم قال: وهل يستحب له اقتحام الغرر فيه، وتعريض النفس للإذاية أو الهلكة مختلف فيه وعموم هذه الآية يعني قوله تعالى:" ومن الناس من يشتري نفسه ابتغاء مرضاة الله" دليل عليه، ورفع سؤال في هذا الموضوع للحافظ السيوطي من بلاد التكرور في الصحراء، ونص السؤال: أيجوز لمسلم في قتال الكفار أن يرمي بنفسه في الغرر لحبه الشهادة، والجواب: نعم ذلك للأمر الذي سألت عنه، وبهذا يعلم السائل أن ما يفعله المقاتلون في فلسطين من التضحية بأرواحهم والولوج بها في القتال بما لا يكون معه نجاة عمل جائز، كما ذكرنا عن الأئمة بل في الحديث أفضل الشهداء من سفك دمه وعقر جواده، وقد ذكر الرسول في قصة أصحاب الأخدود أن الغلام أمر بقتل نفسه لأجل مصلحة تثبيت العقيدة الصحيحة في الحاضرين وإظهار أن أهلها هم أهل الحق، وغيرهم على باطل، والله تعالى ذكر القصص في القرآن لأجل أخذ العبرة منها والاتباع والاهتداء حتى قال الشوكاني بجواز أخذ الحكم الشرعي بما ذكره الله تعالى في قصص القرآن، وما فعله هذا الصبي من أصحاب الأخدود من أمره بأن يقتلوه، وقع مثله لزوجة الخليفة المستعصم لما أراد هولاكو عند دخوله إلى بغداد أن يواقعها ولم تستطع الامتناع منه فعملت حيلة في قتل نفسها حيث أمرت جارية بقتلها بالسيف أمام هولاكو، وقد أثنى التاج السبكي وهو من الحفاظ المجتهدين على عملها هذا وقال: ماتت وما أملت بعار ولا جعلت فراش ابن عم رسول الله فراشا للكفار. فتحسر هولاكو وعلم أنها مكيدة، قال التاج السبكي وقد رأيت مثل هذه الحكاية، جرى في الزمن الماضي لبعض الصالحات راودها عن نفسها بعض الفاجرين كما حكى ذلك الدبوسي من الحنفية في كتابه روضة العلماء.