بحـــــوث و أعـــــــــمـــــال

 

 

كلمة الشهـــر

 

 

اعلام و تراجم

 

 

المكتبة الغمارية

 

 

مــــقــــــــالات

 

بحوث و أعمال

 

madina

 

 

فــــتــــــــاوى

 

 

ضيــف المـوقـع

 

 

صـــــــــــــور

 

 

ســــجل الزوار

مقتطف من كتاب السوانح

للعلاّمة الصوفي السيد عبد العزيز بن الصديق

هذه بعض مسائل من كتاب السوانح للإمام المحدث السيد عبد العزيز بن الصديق رحمه الله تعالى، يقول المؤلف في مقدمة الكتاب: فهذه سوانح عرضت، وخواطر طرأت أثناء التلاوة لكتاب الله العظيم، أو القراءة لحديث النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، أو مطالعة كتاب.. جمعتها في هذا  الكتاب لئلا تضيع مع تطاول الأيام، وقد ورد: قيّدوا العلم بالكتاب. هذا وقد وقع وضعها في هذا  التقييد غير مرتبة ولا مصنفة ولا مبوبة، بل على حسب ورودها في الفكر والخاطر، لأنها غير مقصودة  بالتأليف حتى تقع مرتبة كما هي العادة في التصنيف..اهـ. والكتاب ضخم الحجم، وقد ضم مسائل كثيرة جدا في التفسير والحديث والتصوف، حيث فسر فيه المؤلف لبعض سور وآي القرآن الكريم على طريقة أهل الإشارة، كما شرح بنفس الطريقة جملة من الأحاديث الشريفة.. وقد أظهر المؤلف فيه نفسا قويا وتمكنا شديدا من علوم القوم وإشاراتهم ومقاماتهم.. وقد اقتصرنا بذكر هذه المسائل على أن نخصص ما لأعلام هذه الأسرة الجليلة من بحوث ودراسات ومؤلفات في التصوف، في فرصة قادمة…


مــســـــــــــألــــــــة
خاض كثير من المفسرين في الكلام على أوائل السور المفتتحة بالحروف الهجائية، وكل واحد منهم أتى في ذلك بما ظهر له. ولكن مع ذلك كله فإن التكلف ظاهر على كلامهم. والسبب في ذلك أنهم خاضوا في الكلام في شيء استأثر الله تعالى به. ولم يأذن الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم في بيانه. ولهذا قال الشعبي وجماعة: ألم وسائر حروف الهجاء في أوائل السور من المتشابه الذي استأثر الله تعالى بعلمه. وهي سر القرآن فنحن        نؤمن بظاهرها ونكل العلم فيها إلى الله تعالى. ونقل البغوي عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أنه قال: في كل كتاب سرّ، وسرّ الله في القرآن أوائل السور.
قلت: وهذا القول الفصل في هذه الحروف، وهو الذي يجب العمل عليه، وكل ما سواه فهو تكلف وخوض بالفهم المجرد عن الدليل. ولو أراد الله تعالى إظهار أمرها للعباد لبيَّنه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. فلما لم يرد فيها شيء عنه علمنا وتحققنا أنها مما استأثر الله تعالى بعلمه، ولم يرد سبحانه أن يعلمه أحد. وأعظم دليل على هذا أنه سبحانه صرف الصحابة عن سؤال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عليها مع حرصهم على السؤال عما هو أبسط منها وضوحا وظهورا في القرآن، فلما أراد الله تعالى أن يبقي سرها مصونا صرف الصحابة عن السؤال عنها. فلم يرد في حديث أن صحابيا سأل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عنها. وقد ورد ذلك في حديث موضوع فتنبه.

مــســـــــــــألــــــــة
قوله صلى الله عليه وآله وسلم: حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة.
ذكر صلى الله عليه وآله وسلم الصلاة عقب هذين الأمرين، ليعرفنا أن ما حبب إليه من أمر الدنيا لم يكن على الطريقة التي حببت إلينا، فإن أحدنا يفرح بالدنيا وأمورها، ويقرّ عينه بالحصول عليها والتملك لها إلى درجة أنه يصرفه ذلك عن دينه وعبادة ربه كما هو مشاهد معلوم. ولهذا قال صلى الله عليه وآله وسلم: ما أخشى عليكم الفقر وإنما أخشى عليكم التكاثر. وقال تعالى: {ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر } وقال تعالى مخبرا عن أصحاب قارون: { فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم. وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا}.  
فأخبر عنهم تعالى أنهم قالوا لأجل غناه: إنه لذو حظ عظيم. مما يدل على أنهم كانوا يرون الغنى والحصول على الدنيا ما تقرّ به العين وتفرح به النفس لحصولها على حظها. ولم يكن هذا حالهم وحدهم بل هو حال ووصف كل إنسان كما قال تعالى: {وتحبون المال حبا جما}. يعني حبا يستحوذ منكم على المشاعر فلا يدع فيها موضعا لحب غيره.
فأخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن ما حبب إليه من أمر الدنيا وهو النساء والطيب لم يكن بهذه الحالة، وإنما ذلك على وجه ما أحله الله تعالى له وحببه إليه على وجهه المشروع من غير أن يستحوذ منه على السويداء كما يحصل لنا، بل قرة عينه صلى الله عليه وآله وسلم  جعلت فيما يقربه إلى الله تعالى وأفضل ذلك الصلاة. فما كان من أمر الدنيا كانت محبته ظاهرة غير ساكنة في القلب، ولا مستحوذة عليه. وإن كان ذلك ليس من أمر الدنيا في حقه، ولهذا قال: من دنياكم. ومع ذلك لما كان ذلك يظهر لنا أنه من أمر الدنيا بيّن صلى الله عليه وآله وسلم أنه لم يلتفت إليه بقلبه كما نفعل نحن، وإنما التفاتته بقلبه وشغفه مصروف لعبادة ربه، وقرة عينه في التمتع بها.
ثم وجدت الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى يقول في الحاوي في كلامه على هذا الحديث... بعد كلام ما نصه: وعبّر في أمر الدين بعبارة أبلغ مما عبّر به في أمرالدنيا، حيث اقتصر في أمر الدنيا على مجرد التحبب. وقال غي أمر الدين: وجعلت قرة عيني.. فإن قرة العين من التعظيم في المحبة ما لا يخفى..


مــســـــــــــألــــــــة
يقول سبحانه وتعالى: {وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم، وكنا لحكمهم شاهدين. ففهمناها سليمان.}.
فيه أن الخطأ في الاجتهاد لا شيء فيه. وفيه أن الخطأ يقع من النبي ولكن ينبه عليه، وقد ذهب إلى ذلك قوم. وفيه أن المجتهد وإن أخطأ محمود. وفيه رجوع الحاكم عن حكمه إذا تبين خطأه، خلافا لمن يقول إن حكم الحاكم لا ينقض ولو مع الخطأ. وفيه الرجوع إلى الحق والصواب ولو كان ظهور ذلك على يد الصغير ولو كان ابنا للحاكم. وفيه أن الابن قد يفوق الأب ويقضي بحضرته، ولا يعد ذلك نقصا لحق الأب وعقوقا له. وفيه أن الصغير يجوز أن يتولى الحكم والقضاء مع حضور من هو أسن منه، ولو كان كفؤا لذلك. وفيه أن الأنبياء يتفاضلون في العلوم والحكم كما قال تعالى: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض}. وفيه أن الأنبياء يجتهدون.


مــســـــــــــألــــــــة
يقول تعالى: {ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة}.
هذا من معجزات القرآن البالغة، فلا تزال بين الآونة والأخرى تقع حروب ومعارك طاحنة بين الدول المسيحية تكاد تفني أمما بأجمعها. مع أن دينهم واحد، وكل دولة من هذه الدول تستعد للقضاء على الأخرى. ورغم ما يعقدون بينهم من معاهدات واتفاقات، ورغم كونهم يجتمعون على مائدة واحدة في الأمم المتحدة، فإنهم مع ذلك كله لا يثقون ببعضهم بل ينظرون إلى صداقاتهم ومعاهداتهم نظرة الحذر اليقظ. والحروب التي تقوم وتهلك الحرث والنسل منذ زمن بعيد، لا يوقد نارها إلا المسيحيون فيما بينهم. وهكذا سيبقى حالهم إلى يوم القيامة كما أخبر الله تعالى عنهم في كتابه..


مــســـــــــــألــــــــة
قوله تعالى: {سبح اسم ربك الأعلى} عن علي عليه السلام أنه قرأ في الصبح بسبح اسم ربك الأعلى فقال: سبحان ربي الأعلى. فقيل له أتزيد في القرآن؟  قال: لا، إنما أمرنا بشيء فقلته.
رواه الشافعي في الأم والفريابي وابن أبي شيبة. ففيه الأمر بالتسبيح كلما قرأ السورة في الصلاة وغيرها. وقد قال الشافعي رحمه الله: نحن نستحبه.
ثم اعلم أنه قد ورد عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مثل هذا لكن غير مقيد بصلاة فيحمل على عمومه. فقد روى أحمد وأبو داود والبيهقي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا قرأ سبح اسم ربك الأعلى، قال: سبحان ربي الأعلى.


مــســـــــــــألــــــــة
قوله تعالى حاكيا عن يوسف عليه السلام: {قال اجعلني على خزائن الأرض} استدل به بعضهم على جواز طلب الولاية كالقضاء ونحوه لمن وثق من نفسه بالقيام بحقوقه.
(قلت) وهذا لا يدل على ذلك فإن يوسف عليه السلام كان رسولا يوحى إليه، فطلب ذلك بوحي وأمر من الله له بذلك، وهذا مما لا شك فيه. زيادة على كون هذا من باب التشريع الذي لا يؤخذ فيه بقول غير شريعتنا، فإن طلب الحكم والولاية فيه التعرض لخطر عظيم لا ينجو منه إلا القليل النادر جدا. ومع كل هذا فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم النهي عن طلب الإمارة، بل منعها صلى الله عليه وآله وسلم عمن تعرض لها. فهذا الاستنباط باطل لأنه يخالف شريعتنا، فتأمل.