كشف أنواع الجهل فيما قيل في نصرة السدل
نضع بين يدي القراء الكرام ملخصا لكتاب: كشف أنواع الجهل فيما قيل في نصرة السدل، للإمام المحدث الأصولي السيد عبد الله بن محمد بن الصديق رحمهما الله تعالى. الذي ردَّ فيه على بعض المغاربة المتأخرين كالسيد محمد القادري، والسيد المهدي الوزاني، والشيخ محمد الخضر الشنقيطي. حيث تعصب هؤلاء للسدل في الصلاة، وأفرطوا في تعصبهم حتى قال بعضهم: إن القبض (وهو وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة) قيل بحرمته، بينما لم يقل أحد بحرمة السدل. فتبعهم كثير من الجهلة، فبدؤوا يطلبون من الأئمة أن يسدلوا في صلاتهم، وإلا أبعدوهم عن الإمامة. وليس لتعصبهم أي دليل أو حتى شبهة يستندون عليه،وإنما دعاوى ليس لها ما يسندها. فأبانوا عن جهل عريض بعلم الأصول وقواعد الاستدلال.. وقد ذكر المؤلف رحمه الله تعالى دعاواهم واحدة واحدة، وأتبع كل دعوى بما يبطلها من قواعد علم الأصول والحديث.
بدأ رحمه الله تعالى بذكر حديث في السدل، لم يذكروه. وهذا الحديث موضوع. وهو: روى الطبراني عن معاذ رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا كبر في صلاته رفع يديه قبال أذنيه، فإذا كبر أرسلهما ثم سكت، وربما رأيته يمينه على يساره.
في سند هذا الحديث: الخصيب بن جحدر، كذّبه شعبة والقطان وابن معين والبخاري والساجي وابن الجارود وغيرهم. فعلى هذا فالحديث موضوع لا يجوز العمل به.
الدعوى الأولى والثانية: حديث أبي حميد الساعدي في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر القبض، فهو دليل على السدل. وكل حديث لم يذكر القبض في صفة صلاة النبي يدل على السدل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وهاتان الدعويان باطلاتان جدا. لأمور:
الأول: عدم ذكر القبض لا يدل على عدم وجوده في الصلاة. لما تقرر أن عدم ذكر الشيء لا يدل على عدم وجوده.
الثاني: أن السدل لم يذكر في الحديث أيضا. فكيف يكون الحديث دليلا عليه، وهو لم يذكره.
الثالث: يتجلى من الأول والثاني تناقض واضح، لأن عدم ذكر القبض دليل عندهم على عدم مشروعيته، وعدم ذكر السدل دليل على مشروعيته.. هذا تهافت.
الرابع: عند المالكية يستحب السدل، قال ابن عاشر في مستحبات الصلاة: سدل يد تكبيره مع الشروع. ولم يذكر السدل في أحاديث صفة الصلاة، مع أن المستحب هو ما طلبه الشارع طلبا غير جازم، وليس في الأحاديث طلب السدل، وإنما فيها سكوت عنهما. فأخذوا من عدم ذكره استحبابه أي أخذوا من العدم أمرا وجوديا، وهو باطل. لأن العدم لا يكون علة لأمر وجودي.
قالوا: الأصل هو السدل. وهذا باطل أيضا، لأن الأصل لا يدل على الاستحباب لأنه ليس بأمر ولا طلب فيه.
الخامس: القاعدة المقررة في الأصول: إن المطلق يحمل على المقيد فيقيد به. فأحاديث صفة الصلاة التي لم تذكر القبض، هي مطلقة، فتقيد بالأحاديث التي ذكر فيها القبض. فتكون الأحاديث منسجمة بعضها مع بعض، لا تعارض بينها ولا دلالة فيها على السدل إطلاقا. وهذا هو الاستدلال المبني على القواعد الأصولية لا قولهم المبني على قواعد سطحية.
الدعوى الثالثة: السدل ناسخ للقبض، وهي باطلة من وجوه:
الأول: إن القبض سنة وفضيلة. والفضائل لا تنسخ كما قال ابن عبد البر وغيره. والذي ينسخ من الأحكام: الواجب والحرام والمباح، وأما المندوب فلا ينسخ لأنه فضيلة والمكروه تابع له. وهذا مما يجهله كثير ممن لم يتقن علم الأصول.
الثاني: النسخ هو رفع الحكم بعد ثبوته، والذي يرفع الحكم هو الشارع. ولايثبت النسخ باجتهاد صحابي، فضلا عمن دونه. كما هو مقرر في علم الأصول. قال الصيرفي: لا يقع النسخ إلا بدليل توقيفي.اهـ. أي عن الشارع.
الدعوى الرابعة: السدل عمل أهل المدينة. وهي باطلة أيضا من وجوه:
الأول: إن هذا العمل لم ينقله أحد ممن تخصص في نقل مذاهب الأئمة، مثل الترمذي وابن المنذر وابن جرير الطبري وابن حزم وابن قدامة والنووي. وإنما نقله الصاوي في حاشية أقرب المسالك عن مجهول ولم يعتمده لأنه حكاه بصيغة التضعيف، وهي: وقيل.
الثاني: المنقول عن الخلفاء الأربعة فمن بعدهم من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين بالمدينة إلى عهد مالك، هو القبض. ما عدا سعيد بن المسيب.
الثالث: المسائل التي عمل فيها مالك بعمل أهل المدينة عددها تسعون مسألة، ليس فيها مسألة السدل... وقد ذكرها صديقنا العلامة السيد محمد علوي المالكي في كتابه فضل الموطا.
الرابع: قال العلامة السنوسي في إيقاظ الوسنان: وقد لهج المتأخرون من المالكية بترجيح القول والرواية بمجرد وجودهما في المدونة، ولو خالف الكتاب والسنة الصحيحة...كما في مسألة سدل اليدين في الصلاة، وردّوا الأحاديث السالمة من المعارضة والنسخ وتركوها لأجل رواية ابن القاسم في المدونة عن مالك. مع أن رواية القبض ثابتة عن مالك وأصحابه برواية ثقات أصحابه وغيرهم.اهـ.
الخامس: ترجيح متأخري المالكية لرواية ابن القاسم في السدل، على رواية أصحاب مالك عنه سنية القبض. مخالف لما تقرر في علم الأصول والحديث. فالقاعدة المقررة: إن الثقة إذا روى ما يخالف رواية أوثق منه أو أكثر عددا، كانت روايته شاذة ضعيفة. وهكذا رواية ابن القاسم هذه. قال ابن عبد البر: وروى أشهب عن مالك: لا بأس بالقبض في النافلة والفريضة، وكذا قال أصحاب مالك المدنيون، وروى مطرف وابن الماجشون أن مالكا استحسنه، وقال أيضا: لم يأت فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم خلاف، وهو قول جمهور الصحابة والتابعين، وهو الذي ذكره مالك في الموطأ، ولم يحك ابن المنذر وغيره عن مالك غيره.اهـ. فأيـــــن عمل أهل المديـــنة ؟؟؟
الدعوى الخامسة: تضعيف حديث الصحيحين في القبض. وهي دعوى باطلة جدا، وردّها كالتالي:
أولا : الطعن في حديث الصحيحين خرق للإجماع، وهو حرام وفاعله عاص، كما قال الإمام النووي في شرح مسلم، ومثله في اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم لابن تيمية، وعمدة القاري في شرح البخاري للعيني، وإرشاد الساري في شرح البخاري للقسطلاني.
ثانيا: تضعيف حديث القبض في البخاري هو تضعيف للموطأ. لأن البخاري رواه من طريق مالك، وهو في الموطأ. وكتاب الموطأ تلقته الأمة بالقبول. فتضعيف حديث رواه البخاري ومالك وقاحة كبيرة وخرق للإجماع.
ثالثا: لفظ حديث سهل بن سعد في البخاري والموطأ: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة. قال أبو حازم: لا أعلمه إلا ينمى ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم.اهـ. قال الحافظ: هذا حكمه الرفع، لأنه محمول على أن الآمر هو النبي صلى الله عليه وسلم.
رابعا: في صحيح مسلم عن وائل بن حجر: أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم حين دخل في الصلاة كبّر ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى.. الحديث. وقد ضعفه الخضر الشنقيطي وهو أشد المتعصبين للسدل تعنتا.
الدعوى السادسة: ذكر صاحب الرحلة المراكشية حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه: كأني أنظر إلى أحبار بني إسرائيل واضعي أيمانهم على شمائلهم في الصلاة.. فادعى أنه ذم للقبض لأنه من فعل بني إسرائيل.
قلت: هذا حديث ضعيف رواه ابن شيبة في مصنفه مرسلا عن الحسن.. وهو يدل على أن القبض من شرائع الأنبياء، روى ابن أبي شيبة عن أبي الدرداء قال: من أخلاق النبيين وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة.. وذكر القرطبي وغيره أنه إذا بلغنا شرع من قبلنا على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم أو لسان من أسلم كعبد الله بن سلام، ولم يكن منسوخا ولا مخصوصا، فهو شرع لنا، وهو المقرر عند المالكية.
الدعوى السابعة: إن السادل يشبه الميت وهو أقوى في تحقيق الخشوع.
وهذه حكمة ميتة لا رواج لها في الميدان العلمي، وإليكم حكمة مشروعية القبض على لسان العلماء، قال القاضي أبو بكر بن العربي في شرح الترمذي: والحكمة فيه أي القبض عند علماء المعاني: الوقوف بهيئة الذلة والاستكانة بين يدي رب العزة ذي الجلال والإكرام كأنه إذا جمع يديه يقول: لا دفع ولا منع ولا حول أدعى ولا قوة، وها أنا في موقف الذلة فأسبغ علي فائض الرحمة.اهـ. وقال الإمام الرازي في تفسير قوله تعالى: [ فصل لربك وانحر ] روي عن علي بن أبي طالب أنه فسر هذا النحر بوضع اليدين على النحر في الصلاة.
قلت: روى ابن أبي شيبة والبخاري في التاريخ والحاكم والبيهقي في السنن عن علي بن أبي طالب في قوله تعالى: [ فصل لربك وانحر ] قال: وضع يده اليمنى على وسط ساعده اليسرى ثم وضعهما على صدره في الصلاة.
وقال الزرقاني في شرح الموطأ: قال العلماء: الحكمة في هذه الهيئة أنها صفة السائل الذليل، وهو أمنع من العبث وأقرب إلى الخشوع. ومن اللطائف ما ذكره الحافظ في الفتح نقلا عن بعضهم: القلب موضع النية والعادة أن من حرص على حفظ شيء جعل يديه عليه..
فهذا بعض مما في هذا الكتاب القيم من مسائل ردّ بها المؤلف على من يدعي جهلا وتعصبا سنية سدل اليدين في الصلاة.. والغرض هو بيان موضوع الكتاب لا غير، حيث أن الكتاب يضم غير ما ذُكر هنا مسائل أخرى مهمة كمسألة تواتر أحاديث القبض في الصلاة، والردّ على القادري الذي قال بحرمة القبض تعصبا.. وغيرها من المسائل والفوائد الحديثية والأصولية التي يتحفنا بها المؤلف رحمه الله تعالى على عادته في كتبه، أجزاء ورسائل كانت أو كتبا كبيرة. |