|
|
|
بقلم:
فضيلة الشريف الجليل
السيد عبد المنعم بن السيد عبد العزيز
ابن الصديق الحسني |
إن هذا الموقع الخاص بأبناء الشيخ الإمام العارف بالله سيدي محمد بن الصديق رضي الله عنه ، وهم العلماء الكبار الذين ملأت شهرتم الآفاق، وخلدت مؤلفاتهم ذكرَهم في كل الأوساط العلمية، فأبقت سيرتَهم حية عطرة في القلوب...
قلت: إن هذا الموقع عمل طيب مبارك يسجل في مفاخر الأعمال التي قام ويقوم بها الباحثون في جمعية " الحافظ أحمد بن الصديق للدراسات الإسلامية وإحياء التراث ". وبصفتي من أفراد هذه الأسرة فإني أشكر أفراد الجمعية على إنشاء هذا الموقع ـ وهو بلا شك عمل تجازى عليه بإذن الله تعالى ـ ، الذي يعتبر من جملة الأهداف التي قامت لأجل إنشائها، وهي التعريف بهم وبتراثهم العلمي الذي سارت بذكره الركبان... إيمانا من أفرادها ـوأغلبهم ممن تتلمذوا على بعض هؤلاء الأعلام ـ بفضل هؤلاء العلماء الكبار وما قدموه وأسدوه للسنة النبوية الشريفة من خدمات جمة، وما تحمّـلوه رضوان الله عليهم من شدائد في سبيل نشر العلم الشريف. فأرادوا بهذا الموقع أن يقدموا لكل القراء والمحبين لهذه الأسرة ولطلبة العلم خصوصا، سجلا مباركا ـ عبر هذه الشبكة العنكبوتية ـ يزيد من التعريف بهم: ينشر سيرتهم العطرة، ويذكر مؤلفاتهم، ويُعَرًف بالمنهج الذي انتهجوه في كتاباتهم إضافة إلى ذكر الاختيارات الفقهية لهم، واجتهاداتهم في الفقه والأصول والحديث ... ونقدهم للرجال والرواة، حيث أن أهم ما يسم هذا المنهج العلمي الخاص هو بُعدُه عن التقليد والتعصب للآراء والمذاهب.. مما جعلهم يبدعون فيما كتبوا وذهبوا إليه، وما اختاروه من اختيارات فقهية وحديثية وما أبدعوه من علوم...كل هذا حمل بصمات خاصة بهم انفردوا بها عن سابقيهم وأصبحت مصدرا ومرجعا للاحقيهم..
فكانوا رحمهم الله تعالى جميعهم يُكونون مدرسة علمية بكل المقاييس العلمية... في وقت كان الراجح فيه التقليد لأقوال مجردة عارية عن الدليل، مع التعصب لها حتى ذهب الأمر في التعصب ببعض الجامدين المتعصبين إلى تقديمها في العمل على السنة المطهرة... وعند البعض الآخر بلغ التعصب الأعمى به إلى تحريم العمل بالسنة النبوية الشريفة !!.. فضلوا ضلالا مبينا.
مما جعل أعلام هذه الأسرة المباركة رحمهم الله تعالى يواجهون فيما ذهبوا إليه انتقادات وردودات.. أجحف فيها أصحابها بتعنثهم وتعصبهم..
فكانوا يحثون طلبتهم على التحرر من قيود التقليد للأشخاص والتعصب للأقوال العارية عن الدليل، التي تعطل العقل والفكر تماما، وتمنعه من الإبداع. فيصبح المرء بتقليده وتعصبه مرددا لصدى الذين سبقوه لاغير...
ومن تتبع أخبار هؤلاء العلماء وقرأ كتاباتهم، تبين له أن هذه الدعوة إلى إعمال الفكر ونبذ التقليد ركن من أركان منهجهم في الكتابة والتأليف، فإن القارئ يجد الإنكار الشديد على الذي يقلد دون أن يتحقق من صواب ما قلد. لكونه يزيد من نشر الخطأ والزلل..
إن ما يقوم به الإخوة الأساتذة والباحثون في هذه الجمعية من تفان في إبراز وإحياء مفاخر وعلوم أعلام هذه الأسرة، هو خدمة جليلة للعلم وأهله. إذ أن إحياء مآثر العلماء ومعرفة مقدارهم و مراتبهم في العلم من أول ما يجب على طالب العلــم و مبتغي معرفته، يقول الإمام السخاوي: " وقد روينا عن مسلم صاحب الصحيح أنه قال : إن أول ما يجب على مبتغي العلم وطالبيه أن يعرف مقدار مراتب العلماء في العلم ورجحان بعضهم علــى بعض... ". وذلك لأن كلام العلماء واجتهاداتهم حجة ، ولا يعترف بكونهم كذلك إلا إذا شهد لهم من هو في العلم مثلهم إما بالتصريح بذلك، و إما بذكرهم في طبقات العلماء، و إما بالأخذ عنهم و إقراء كتبهم، وإما بذكرهم في مذهب أو وفاق أو خلاف ، وهذا كله لا يعرف إلا بقراءة تراجمهم ، ومعرفة تواريخهم ، وأحوالهم ، وآثارهم العلمية.
وهؤلاء الأعلام الذين يمثلون المدرسة الصديقية لهم في العلوم الشرعية آثار ولرأيهم عند أهل العلم اعتبار، وقد شهد لهم القاصي والداني، والمعاصر واللاحق لهم، والصوفي وغيره، والسني والشيعي، بالعلم بل وبالتمكن الشديد في علوم الحديث والسنة النبوية عموما، حتى صارت أقوالهم في علم الحديث حجة ومذهبا.
فلو أرَّخنا للحركة العلمية في هذه الفترة لوجدنا هؤلاء الأعلام ممن أثرَوا فيها العلوم الإسلامية من حديث وتفسير وفقه وتصوف وتاريخ...واستحقوا أن يكونوا بذاك رواد هذه العلوم في العصر الحديث بدون منازع.
كما أن كتبهم ومؤلفاتهم لا زالت حية نابضة تنطق بتمكنهم وتبرزهم وطول باعهم في علوم الشرع الحنيف.
ولازال طلبتهم في مشارق الأرض ومغاربها حفظهم الله تعالى يفيدون من علومهم وفوائدهم وآدابهم ويحملون راية مذهبهم، فجزاهم الله تعالى خير الجزاء عن مشايخهم، ونفع بهم كما نفع بشيوخهم.
وقد طلب مني الإخوة المشرفون على الموقع أن أسجل معهم حديثا عاما عن هذه الأسرة. يتناول بصفة عامة شخص مولاي الوالد رضي الله عنه، وعمَّاي: الحافظ المحدث سيدي عبدالله بن الصديق والمحدث الأصولي الفذ سيدي عبدالحي بن الصديق رحمهما الله تعالى وجزى الجميع عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
ولكن ولظروف قاهرة طرأت تأخر الحديث. فلما سنح بعض الوقت قدمت للإخوان المشرفين جزءا منه، وهو هذا الذي بين يدي القارىء الكريم مقتضبا، مكتفيا بالإشارة تاركا التفصيل لمواضيع منفصلة لاحقة بإذن الله تعالى.
ففيما يتعلق بسيدي الوالد رحمه الله تعالى وجزاه عني خير ما جازى أبا عن ابنه، فإن الحديث عن شخصه وعلمه وأحواله يطول. ولا يكفي هذا الحديث المقتضب عنه، في تبيين قدره وإعطاء حقه كاملا في وصف علمه ومؤلفاته وفتاويه ومقالاته، وأحواله الزكية وأخلاقه السنية، وما أكرمه الله تعالى به من الفضائل والمزايا، وكذا ذكرمواقفه الشجاعة في الصدع بالحق، إلى غير هذا من المكرمات والمنن الإلاهية عليه. وهذا بإجماع من كتبوا في ترجمته رحمه الله تعالى. وقد كتب رحمه الله تعالى ترجمة لنفسه سماها: " تعريف المؤتسي بأحوال نفسي ". ذكر فيها نشأته وطلبه للعلم وشيوخه في الرواية والدراية.. وجملة من مؤلفاته وأخباره وأحواله ورحلاته.. وترجم فيها لوالده الإمام العارف بالله القطب سيدي محمد بن الصديق رضي الله تعالى عنه، ولوالدته الشريفة الجليلة سليلة بيت الشرف والولاية والعلم سيدتنا فاطمة الزهراء ذات الكرامات الشهيرة رضي الله عنها وعن الجميع، وهي حفيدة الإمام الصوفي الكبير والمفسر الشهير سيدي أحمد بن عجيبة رضي الله عنه صاحب البحر المديد في التفسير الإشاري وشرح حكم ابن عطاء الله وغيرها من المؤلفات والرسائل الجليلة في التصوف وغيره.. كما توسع في ترجمة شيخه شقيقه الحافظ الكبير أبي الفيض سيدي أحمد بن الصديق رحمهم الله تعالى جميعا وجزاهم عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.. وقد كان فراغه من هذه الترجمة سنة 1371 هـ.
2-1
|
|

|