ضيف المـــوقع

بقلم:

فضيلة الشريف الجليل

السيد عبد المنعم بن السيد عبد العزيز

ابن الصديق الحسني

ثم كتب الأستاذ الباحث والعالم الفاضل الداعية الإسلامي السيد عبداللطيف جسوس ترجمة له من إملائه رحمه الله تعالى فجاءت كذلك ترجمة حافلة ضمت فوائد وزيادات كثيرة عن الترجمة الأولى لتأخرها في الزمن عنها، وسماها : " نجم من علماء السلف في علماء الخلف " . وهما الآن قيد الطبع تحت إشراف جمعية الحافظ أحمد بن الصديق للدراسات الإسلامية وإحياء التراث.
كما أطلعني العلامة اللغوي والفقيه الأصولي السيد محمد المختار التمسماني على تأليف له في ترجمة هؤلاء العلماء مع الحديث بتفصيل عن سمة منهج كل واحد منهم في الكتابة والتدريس.. ولعله تحت الطبع الآن، كما له تدوين خاص ترجم فيه للوالد ودَوَّن فيه أحداث رحلة قام بها معه رضي الله عنه لبعض دول أوروبا زارا فيها مكتباتها ومآثرها التاريخية الإسلامية التي تشهد لأمجاد المسلمين في تلك الديار، كما يحدثنا فيه المؤلف عن نقاشات وفوائد علمية استفادها من صاحب الترجمة...إلخ.   
وأدع الحديث عن مؤلفاته ودروسه ومجالسه العلمية، ودروسه الخاصة يوم الجمعة في الزاوية الصديقية، فإنها كانت ذات طابع خاص مختلف عن طابع دروسه الأخرى في بيته أو حتى في الزاوية نفسها في باقي الأيام الأخرى.. حيث درَّس للمريدين والمنتسبين لطريق التصوف مجموعة من الكتب في هذا الشأن كالرسالة القشيرية، وحكم ابن عطاء الله بشرح جده الإمام العارف بالله سيدي أحمد بن عجيبة رضي الله عنه، والعهود المحمدية لسيدي عبدالوهاب الشعراني، وغيرها من الكتب التي سأذكرها لاحقا.
حيث أن مولاي الوالد رضي الله عنه كان أكثر إخوانه غوصا في معاني الصوفية وإشاراتهم، وذلك بشهادة أشقائه جميعهم، وكل من عرفه من أهل العلم. لهذا كتب في التصوف رسائل وكتبا عظيمة الفائدة، كما شرح قصائد ومقطعات لأئمة الصوفية العارفين بالله كالإمام الششتري والجنيد وابن الفارض والشيخ الأكبر رضي الله تعالى عن الجميع ونفعنا بهم وبفتوحاتهم.
وله أيضا تفسير لبعض سور القرآن الكريم ولبعض آياته بطريق الإشارة.
قلت: سأدع الحديث بتفصيل عن هذا كله إلى فرصة قادمة لهذا أكتفي الآن بما ذكرت فيما يتعلق بالوالد رضي الله عنه.
وأما الحديث عن عمِّي سيدي عبد الحي بن الصديق رحمه الله تعالى. فقد لايختلف كثيرا عن شقيقيه سيدي عبدالله ، ومولاي الوالد.. - وكذلك عن شقيقهم الأكبر أبي الفيض وإن كنت لم أدركه ولكن ما كتب عنه وما حدثني به والدي وأعمامي شاهد على ذلك – قلت: شبيه إخوانه في الاطلاع، والتبحر في العلم والإتقان لفنونه ومسائله، إلا أنه كان في علم أصول الفقه لا يجارى ولا يبارى.. فحاز قصب السبق في مضماره، وكل من جالسه أو درس عليه يشهد له بذلك. أضف إلى ذلك براعته الشديدة في الفقه وعلوم النحو والبلاغة والبيان..؛ وكان متقنا لمسائل الفقه المالكي إتقانا عجيبا. فقد كان يستحضر أقوال الفقهاء المالكية وما قرروه في كتبهم وحواشيها..من جزئيات دقيقة في الفقه. وكان يناقش أقوالهم مع المقارنة بما ذهب إليه أصحاب المذاهب الأخرى، وحيثما كان الدليل قويا وراجحا قال بصوابه وتمسك به ودعا إليه...                               فعند الكلام عن مسألة فقهية كان يقول: والفقهاء المالكية قالوا فيها كذا وكذا بناء على ما ذهب إليه ابن القاسم أو ما قرره فلان ...إلخ، و يقارن قولهم بأدلة الشافعية والحنفية والمذاهب الأخرى في المسألة ذاتها...فكانت هذه الأدلة لا تغيب عنه أبدا، فتجد لمجلسه متعة فقهية ولذة علمية عظيمة، افتقدناها برحيله رحمه الله تعالى وجزاه عنا خير الجزاء.
وهذا هو المنهج الذي كان يتخذه في تدريسه للفقه وأصوله، حيث يكون درسه غنيا بالفوائد العلمية والفقهية، وأدلة المذاهب.. وأقوال الفقهاء.. مع الترجيح.
وقد لمس هذا من قرأ عليه، ومنهجه في التدريس مشابه لمنهج شقيقيه سيدي عبدالله والوالد رحمهما الله تعالى.. فكان يتعامل مع الطالب عند تدريسه كما يتعامل مع عالم، في الحوار وإبداء الرأي دون تعصب أو قهر.. فطالما حدثني رحمه الله عن طريقة الشيوخ في الأزهر في التدريس، فينتقدها لما فيها من اضطهاد للطالب وازدراء به حين يبدي رأيه في مسألة، أو يستدرك على شيخه في شيء.. يقول رحمه الله: حتى كان الواحد منا يستحيي ويخشى أن يرفع يده مستأذنا شيخه في إبداء رأيه أو عن استفسار يريده عن مسألة في الدرس لم يفهمها.. لإدراكه بما سيناله من سخرية الشيخ واضطهاده والاستهزاء به. يقول رحمه الله: وهذه الطريقة عقيمة وعديمة الجدوى.. إذ يبقى الطالب دائما ناقص التعليم، إضافة إلى خشيته الدائمة من السؤال في العلم خوفا من الوقوع في الحرج والسخرية.
وكان رحمه الله تعالى يستدل على هذا بما كتبه الأديب طه حسين في  كتابه الذي ترجم فيه لحياته: " الأيام " منتقدا منهج علماء الأزهر في تدريسهم للطلبة، ومخبرا ما لقي أيام طلبه فيه،من اضطهاد وقمع على يد علمائه كلما أراد أن يتكلم في مسألة، أو أراد الاستفسار عن شيء..فيسخر الطلبة منه لكيفية اضطهاد الشيخ له.
فكان منهج علمائنا وسادتنا آل الصديق رضي الله عنهم مشجعا على طلب العلم والإقبال عليه بِنَهَم، فكانوا يضعون الطالب الذي يجلس أمامهم في منزلة العالم.. فيسمحون له بالحوار والسؤال ومعاودة السؤال حتى يفهم ويتقرر الدرس كاملا في ذهنه بمسائله وجزئياته.. فتجد الطالب تمر عليه الساعتين والثلاث وهو جالس لايشعر بالملل والتعب أو رغبة في القيام عن حلقة الدرس.. وقد كنت واحدا ممن كان يشعر بهذا الشعور لما أجد من انجذاب نحو الشيخ، وكأن اتصالا روحيا عظيما يجمع بين الشيخ والطلبة..
وهذا المنهج في التدريس كما لا يخفى له مميزات وثمرات عظيمة، إذ يستحيل أن تجد حين ينهي الشيخ الدرس، أحدا من الطلبة لم يفهم بعض مسائل الدرس إلا نادرا..
فكانوا بهذه الطريقة يحببون طلبتهم في الزيادة من طلب العلم، والاعتكاف على المطالعة والقراءة حتى يتسع أفق الطالب وتزداد مداركه ومعارفه، فيصبح في وقت وجيز وقد أحاط بمعظم قواعد العلم الذي كان يدرسه عليهم.
وكانوا كلهم رحمهم الله تعالى يحثون طالب العلم على الاجتهاد وعدم التقليد والتعصب للآراء المجردة عن الدليل، كائنا من كان قائلها من الفقهاء والأئمة ما دامت مخالفة لكلام الله تعالى وقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وغير مقيدة بقواعد العلم المعتبرة.
فالتعصب هو الآفة التي تقف في سبيل العلم والحقيقة، وتعطل العقل عن العمل وبذل الجهد في التفكير والاجتهاد والإبداع.
فيجعل من الإنسان المقلد المتعصب لمن قلده نسخة ثانية للمُقَلَّد، فيكون حبيس أفكاره وأقواله وآرائه ولو كانت خاطئة، مرددا لها أينما حل وارتحل.
((...مع أن العمدة هو كتاب الله تعالى وسنة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وما هذه العلوم إلا وسيلة لاستنباط الأحكام منهما..
فإذا تعصبنا لأقوال قد تصيب وقد تخطىء.. نكون قد عطلنا العمل بكتاب الله وسنة نبيه، وتعصبنا لغيرهما...)) هكذا كان يحدثنا الشيخ سيدي عبدالحي رحمه الله تعالى في توجيهنا أيام الطلب.
لهذا نجد في كتب الشيخ سيدي عبدالحي بن الصديق رحمه الله تعالى انتقادات لاذعة للمقلدة والمتعصبين، وخصوصا الذين أبوا إلا أن يحجروا عقولهم، ولا يقولون في دينهم إلا بقول إمامهم.
وهذه مزية أخرى في كتاباته وحتى في طريقة تدريسه، تشجع القارىء والطالب على إعمال الفكر وعدم الميل مع الأقوال المجردة..
أما عن مشاريعه العلمية فقد كان في الفترة الأخيرة من عمره، يريد وضع كتاب – وقد شرع فيه فعلا – لطلبة العلم يكون جامعا في علم الأصول ولقواعده، ينهج فيه منهجا سهلا متناولا لكل الطلبة، على غرار المنهج الذي ارتضاه صاحب النحو الواضح والبلاغة الواضحة... من ذكر الأمثلة والأسئلة مع الحلول..وطبعا كل هذا بعبارة بسيطة يفهمها الجميع.
إذ كان رحمه الله تعالى يرى أن من صنف في هذا الفن من السابقين فقد أغمض في تصنيفه وبالغ في تعقيد العبارة والأسلوب حتى صعب فهم المراد والمقصود كما هو الحال في جمع الجوامع وغيره...
الشيء الذي ينفر من الإقبال على هذا العلم، ويصعب مسائله.. فيجعل الطالب لكي يفهم كتابا من هذه الكتب الموضوعة في هذا الفن، يلجأ إلى الاستعانة بكتب أخرى ليحل ما صعب فهمه من عباراتها وإشكالاتها.. مما يتطلب مزيدا من الوقت والجهد، الذي يكون الطالب أحوج إليه، فتنصرف همته عن هذا العلم ويتشتت فكره. وهذا عائق كبير يقف في طريق طلبة العلم والمقبلين عليه.
كذلك صنف في الفترة الأخيرة رسالة مهمة حول تولية المرأة القضاء، وقد أطلعني عليها رحمه الله تعالى، إلا أنها الآن في حكم المفقود..
كما كان يكتب في ما خالف فيه أئمة المذاهب الأربعة وفقهاؤها السنة الصحيحة الثابتة لعدم إحاطتهم بها، زيادة على ما كتبه في كتابه: الإعلام..، وبطريق أوسع.
وأما الحديث عن عمي سيدي عبد الله بن الصديق رحمه الله تعالى ورضي عنه، ففيه تشابه كبير بينه وبين السابقين في الاطلاع والتمكن، فكان ذا دراية تامة بالعلوم العقلية، وطول باع في علم الحديث والسنة... فهو شيخهما.
كان رحمه الله تعالى ذا علم غزير، ما من مسألة يسأل فيها - في أي علم وفن كانت – إلا ويجيب وكأنه كتاب مفتوح تقرأ فيه، فكانت له جلسات يومية في الزاوية الصديقية بطنجة، يجلس فيها مع طلبته وعموم الناس يجيب فيها عن أسئلتهم واستفساراتهم، ويتناول فيها بالتحليل وإبداء الرأي في قضايا المسلمين التي تحل بساحتهم... وقد درس للطلبة بها في الفترة الأخيرة من عمره: نيل الأوطارللشوكاني، وتفسير النسفي وسنن الترمذي لكن لم يكملهما...
( يتبع )

 

2-1